انتشرت في الآونة الأخيرة مزاعم بأن العبوات البلاستيكية السوداء المستخدمة في الوجبات السريعة وتوصيل الطعام قد تكون مصنوعة من بقايا النفايات الإلكترونية، وأنها تحتوي على معادن ثقيلة ومواد كيميائية تؤخر الاحتراق، وأن هذه المواد قد تنتقل إلى الطعام، خاصة عند لمسها وهي ساخنة، مما قد يزيد من خطر الإصابة بالسرطان أو يؤثر على المناعة والهرمونات. وقد جذبت هذه الادعاءات انتباه الباحثين لأكثر من عقد من الزمن، حيث بدأت بعض الدراسات العلمية تثير احتمالية انتقال الملوثات من النفايات الإلكترونية إلى منتجات بلاستيكية معينة نتيجة عمليات إعادة التدوير غير الخاضعة للرقابة. وكانت دراسة نشرت عام 2015 من أوائل الدراسات التي كشفت عن وجود مواد معينة مرتبطة بالنفايات الإلكترونية، بما في ذلك مثبطات اللهب المبرومة، في عدد من المواد البلاستيكية الملامسة للأغذية في الأسواق الأوروبية، مما أثار تساؤلات حول إمكانية دخول المواد المعاد تدويرها من الأجهزة الإلكترونية في صناعة بعض المنتجات البلاستيكية. وفي عام 2017، نشر مراجعة علمية تجمع بين الأدلة المتاحة في ذلك الوقت وتؤكد أن هذه الفرضية تستحق المزيد من الدراسة والمراقبة. كما توصي بتحسين تقنيات فرز البلاستيك لتجنب نقل المواد غير المناسبة إلى المنتجات المخصصة لملامسة الأغذية. ثم جاءت دراسة عام 2018 فحصت عددا من أدوات المطبخ البلاستيكية السوداء، ووجدت أن بعض العينات تحتوي على مثبطات اللهب من مادة البروم المستخدمة في الصناعات الإلكترونية. كما أظهرت تجارب المحاكاة إمكانية انتقال كميات صغيرة من هذه المواد إلى زيوت ساخنة، موضحة أن التلوث لم يكن موجودا في جميع المنتجات وأن مستوياته تتباين بشكل كبير من منتج إلى آخر.
وفي عام 2024، نُشرت أكبر دراسة حتى الآن في هذا المجال في مجلة Chemosphere وتضمنت تحليلاً لـ 203 منتجات بلاستيكية سوداء، بما في ذلك حاويات المواد الغذائية وأدوات المطبخ وألعاب الأطفال. وأظهرت النتائج أن بعض هذه المنتجات تحتوي على مثبطات اللهب من البروم ومركبات أخرى تستخدم أصلاً في الصناعات الإلكترونية، مما يدعم الفرضية القائلة بأن بعض الملوثات الناتجة عن إعادة تدوير النفايات الإلكترونية يتم نقلها إلى بعض المنتجات البلاستيكية. ومع ذلك، فإن هذه النتائج لا تعني أن جميع العبوات البلاستيكية السوداء مصنوعة من النفايات الإلكترونية أو أنها كلها ملوثة. وتجدر الإشارة إلى أن الدراسة خضعت لاحقاً لتصحيح رياضي يتعلق بتقدير التعرض لإحدى المواد الكيميائية، إلا أن هذا التصحيح لم يغير الاستنتاج الأساسي المتعلق بوجود التلوث في بعض المنتجات.
ومن المهم أيضًا التوضيح أن اللون الأسود في حد ذاته لا يشير إلى أن المنتج سام أو مصنوع من النفايات الإلكترونية، حيث أن اللون الأسود غالبًا ما يكون بسبب استخدام أسود الكربون، وهي مادة شائعة الاستخدام في الصناعات البلاستيكية، ولا يمكن الحكم على سلامة المنتج أو جودته من خلال اللون وحده. إن انتقال بعض المواد الكيميائية من البلاستيك إلى الغذاء أمر معروف علمياً ويعرف بظاهرة الهجرة الكيميائية. إلا أن كمية المادة المنقولة تعتمد على عوامل كثيرة، مثل نوع البلاستيك ودرجة حرارة الطعام ومدة ملامسته وطبيعة الطعام، خاصة إذا كان دهنيًا أو حارًا جدًا. ولهذا السبب، تخضع المواد المخصصة لملامسة الطعام لاختبارات تنظيمية صارمة قبل الموافقة على استخدامها.
أما بالنسبة للمخاوف من السرطان أو الاضطرابات الهرمونية أو ضعف المناعة، فلا يوجد حتى الآن دليل علمي قوي يثبت أن استخدام العبوات البلاستيكية السوداء للطعام يؤدي في حد ذاته إلى زيادة خطر الإصابة بهذه الأمراض. صحيح أن بعض المواد الكيميائية الموجودة في بعض المنتجات، مثل بعض مثبطات اللهب المبرومة، يمكن أن يكون لها تأثيرات سامة، أو تؤثر على الهرمونات، أو حتى تكون مسرطنة عند التعرض لها بكميات كبيرة أو في ظل ظروف معينة. إلا أن الدراسات المتوفرة حتى الآن لم تثبت وجود علاقة سببية بين الاستخدام المنتظم لحاويات المواد الغذائية البلاستيكية السوداء والإصابة بالسرطان أو أمراض أخرى لدى الإنسان. ومن المهم هنا التمييز بين وجود مادة قد تكون لها خصائص سامة في ظل ظروف معينة (Danger) والدليل على أن التعرض المعتاد لها يزيد بالفعل من خطر الإصابة بالمرض (Risk)، وهو فرق جوهري في علم السموم وتقييم المخاطر.
وتضمن الهيئات التنظيمية، مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) والهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA)، أن المواد التي تتلامس مع الغذاء تخضع لتقييمات واختبارات للتأكد من أن انتقال المواد الكيميائية إلى الغذاء يظل ضمن الحدود المقبولة، مع مراجعة الأدلة العلمية باستمرار مع ظهور بيانات جديدة. كما توصي الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية (SFDA) بعدم إعادة تسخين الطعام في عبوات بلاستيكية غير مخصصة لهذا الغرض، وعدم إعادة استخدام العبوات ذات الاستخدام الواحد، وتجنب استخدام العبوات المتشققة أو التالفة، ونقل الطعام الساخن إلى العبوات الزجاجية أو الخزفية عندما يكون ذلك ممكنًا. هذه توصيات احترازية تهدف إلى تقليل التعرض غير الضروري للمواد الكيميائية.
باختصار، تشير الأدلة العلمية الحالية إلى أن بعض المنتجات البلاستيكية السوداء قد تحتوي على ملوثات ناتجة عن إعادة التدوير غير الخاضعة للرقابة لبعض النفايات الإلكترونية. وقد وثقت العديد من الدراسات هذه الظاهرة منذ عام 2015، ودعمتها نتائج دراسة كبيرة نشرت عام 2024. لكن لا يوجد دليل علمي يثبت خطورة جميع العبوات البلاستيكية السوداء، أو أنها تسبب السرطان أو اضطرابات هرمونية أو انخفاض المناعة لدى مستخدميها. لذلك، فإن معالجة هذه القضية يجب أن تكون مبنية على أدلة علمية، بعيدة عن أي مبالغة أو تأكيد غير مبرر، مع احترام إرشادات الصحة العامة والاستمرار في مراقبة نتائج الأبحاث المستقبلية التي قد توفر فهمًا أكثر دقة لهذه القضية.
محرر الموضوع
د. محمد المحروس
استشاري وباحث في علم الأحياء السريري والهندسة الجزيئية والتحليل النقدي، مهتم بتبسيط المعرفة القائمة على الأدلة وتقديم محتوى طبي وفكري موثوق بلغة واضحة وعميقة. تجدر الإشارة إلى أن هذه المادة يتم نشرها من أجل المصلحة العامة، مع احتفاظ صاحبها بحقوق التأليف والبحث والمراجعة.

