ومسألة الحجامة هي جزء من القضايا التي تتقاطع فيها المرجعيات الدينية مع الممارسات الصحية، وهو تقاطع يفرض بطبيعته مسؤولية مزدوجة في الفهم والتطبيق. فمن ناحية نجد أن الحجامة موجودة في عدد من روايات النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، مما أعطاها مكانة خاصة في الوعي الإسلامي. ومن ناحية أخرى، فإن انتقاله من إطاره النصي إلى تطبيقه المعاصر يطرح جملة من الأسئلة التي لا يمكن حلها دون دراسة علمية ومنهجية متأنية.
إن الإيمان بما جاء في النصوص لا يغني عن ضرورة فهم آليات التطبيق، ولا يعفينا من الإبلاغ عن الواقع عندما ينحرف عن المبادئ أو يفتقد السيطرة. بل إن هذا الاعتقاد في حد ذاته يحتاج إلى مزيد من البحث، خاصة عندما يتحول المفهوم إلى ممارسة مفتوحة بلا معايير، تمارس تحت مسميات دينية دون دعم علمي أو رقابة مؤسسية.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن ننسى أن الحجامة – الجافة والرطبة – شهدت تحولا ملحوظا في السنوات الأخيرة، حيث انتقلت من ممارسة تقليدية محدودة إلى نشاط تجاري واسع، غالبا ما يمارس خارج أي إطار تنظيمي واضح. ولسوء الحظ، لم يصاحب هذا التوسع بناء معايير موحدة أو بروتوكولات تطبيق معتمدة. نحن أقرب إلى «السوق المفتوحة»، التي تختلف فيها الممارسات من شخص إلى آخر، دون مرجعية علمية تضبطها أو مؤسسة تنظمها.
ومن أبرز مشاكل هذا الواقع غياب التقييم الطبي الحقيقي للحالات. إن الكثير ممن يقومون بالحجامة ليسوا متخصصين في المجال الصحي، وليس لديهم القدرة على تقييم الحالات الطبية التي قد تشكل عائقاً أو خطراً عند إجراء مثل هذه الإجراءات، مثل مرض السكري واضطرابات النزيف وانخفاض المناعة والأمراض المعدية. في بعض الأحيان، لا ترقى الإجراءات الرسمية – مثل قياس ضغط الدم أو ارتداء الرداء الطبي – إلى مستوى التقييم السريري، بل تظل في سياق المظهر وليس الجوهر.
ولا يتوقف الأمر عند حدود التقييم، بل يمتد إلى النتائج والتعقيدات. وقد لوحظت حالات من التأثيرات الضارة على الجلد، بدءًا من التصبغ الدائم إلى التشوهات الشبيهة بالحروق، بعد تطبيقات عشوائية دون فهم واضح لآليات إصابة الأنسجة أو أخذ عينات من الدم. ولا تزال احتمالية الإصابة بالعدوى الميكروبية قائمة، خاصة في ظل عدم الالتزام الصارم بمعايير التعقيم.
وهنا تبرز مشكلة أكثر خطورة: معايير مكافحة العدوى. وتعتبر الإجراءات التي تنطوي على اختراق الجلد وسحب الدم، بحسب التصنيف الطبي، من بين الإجراءات التي تتطلب أعلى درجات الحذر، لاحتمال نقل أمراض خطيرة مثل التهاب الكبد الفيروسي أو فيروس نقص المناعة البشرية. ومع ذلك، فإن العديد من الممارسات الحالية لا تشمل الفحص المسبق أو الالتزام ببروتوكولات التخلص الآمن من النفايات الطبية، مما يفتح الباب أمام مخاطر صحية وبيئية كبيرة.
ومن الجوانب الأخرى التي تستحق الاهتمام هو الحديث حول الحجامة على بعض المنصات، حيث يتم المبالغة في فوائدها وربطها بعلاج الأمراض المعقدة، مثل الأورام، دون وجود أدلة سريرية قوية تدعم هذا الطرح. هذا النوع من التعميم لا يتعارض مع المنهج العلمي فحسب، بل يمكن أن يضلل المرضى ويبعدهم عن الطرق العلاجية المثبتة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض المفاهيم الشائعة، مثل وصف الدم الذي يخرج بـ “الدم الفاسد”، ليس لها أساس علمي. الدم الأسود هو دم وريدي طبيعي مملوء بثاني أكسيد الكربون، أما التجلط فهو نتيجة تعرض الدم للهواء وليس مؤشرا على “الفساد” كما يشاع. إن إعادة إنتاج هذه المفاهيم دون تصحيحها يؤدي إلى إدامة الفهم السيئ لعلم وظائف الأعضاء البشرية.
وخلافا للادعاء بأن الحجامة «تنشط الدورة الدموية»، تجدر الإشارة إلى أن هذا التأثير -إن وجد- يمكن تحقيقه من خلال وسائل أكثر أمانا وأكثر ثباتا، مثل النشاط البدني الموجه، الذي تدعم فعاليته أدلة علمية كبيرة.
وبمراجعة الأدبيات العلمية، من الواضح أن دراسات الحجامة لا تزال محدودة من حيث الجودة المنهجية، وغالباً ما تشير نتائجها إلى أنه قد تكون هناك فوائد فقط في حالات محددة، مع تأكيد واضح على الحاجة إلى دراسات أكثر رقابة مع تصميم صارم. علاوة على ذلك، لم تظهر بعض الدراسات المقارنة تفوقًا جوهريًا للحجامة على البدائل العلاجية الأخرى، مثل العلاج الطبيعي.
وأمام هذه الملاحظة، يطرح سؤال أساسي: كيف يمكن التوفيق بين احترام التراث الديني وضمان السلامة الطبية؟ والجواب لا يكمن في الرفض المطلق أو القبول غير المشروط، بل في إعادة الممارسة في إطار علمي واضح، خاضع للمعايير الطبية، ويمارس تحت إشراف متخصصين مؤهلين.
وبالتالي، يمكن تقديم بدائل أكثر أمانا في سياقات معينة، مثل التبرع بالدم، الذي يتم ضمن نظام طبي منظم، ويوفر فائدة مزدوجة للمتبرع والمتلقي، دون المخاطر المرتبطة بالممارسات العشوائية. إن متطلبات اللياقة البدنية للتبرع هي معيار منطقي يمكن قياسه لتقييم أهلية الأفراد لمثل هذه الإجراءات.
وفي النهاية، المشكلة لا تكمن في مبدأ الحجامة بحد ذاته، بل في طريقة ممارستها في الواقع المعاصر. وبين نص محترم، وعلم يعتمد عليه، وممارسة للسيطرة عليها، تبقى مسؤولية عدم تسليم الجسد – الذي هو أمانة – لممارسات غير منضبطة، مهما كانت مبرراتها.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل ما يمارس اليوم من الحجامة يعكس فهما واعيا للنص، أم أنها مجرد ممارسة فقدت ارتباطها بين الدين والعلم؟
محرر الموضوع
د. محمد المحروس
استشاري وباحث في علم الأحياء السريري والهندسة الجزيئية والتحليل النقدي، مهتم بتبسيط المعرفة القائمة على الأدلة وتقديم محتوى طبي وفكري موثوق بلغة واضحة وعميقة. تجدر الإشارة إلى أن هذه المادة يتم نشرها من أجل المصلحة العامة، مع احتفاظ صاحبها بحقوق التأليف والبحث والمراجعة.

