في مجتمعاتنا، لم يكن زواج الأقارب مجرد خيار.. بل هو عادة اجتماعية راسخة وعلاقة عاطفية غير عقلانية، تقدم كضمانة لتماسك الأسرة واستدامة الاسم وتسهيل الترتيبات العائلية. أو لإرضاء علاقة غنية بالعاطفة والارتباط من الطرفين.
لكن خلف هذا “الضمان” ترسخت طفرات متنحية وصامتة…
وهي تظهر فقط عندما تتقارب الخريطة الجينية للجانب الأبوي مع الخريطة الجينية للجانب الأم، عندما يجتمع النسب مع نفسه.
يولد الأطفال بأمراض نادرة أو اضطرابات وراثية صامتة..
منها ما يكمن في اضطرابات التمثيل الغذائي، ومنها ما يؤثر على أعصاب الجسم وجذور الدماغ، ومنها ما يتجسد في أورام سرطانية غير قابلة للشفاء، أو أمراض مزمنة لا تخرج من الجسم، أو اضطرابات نفسية تثقل التفكير والذاكرة. وآخرون يصمتون، ولا يشعرون بأنفسهم إلا عندما يفرضون وجودهم.
إنهم ليسوا ضحايا القدر، بل ضحايا سلسلة قرارات اتخذت بصمت ولم يشكك فيها أحد.
زواج الأقارب في حد ذاته ليس خطيئة.
ولكن تجاهل أبعادها الجينية ـ في وقت أصبحنا نعرفه أكثر من أي وقت مضى ـ يشكل شكلاً من أشكال اللامبالاة الأخلاقية.
وفي بعض المجتمعات التي تلتزم بنموذج الزواج نفسه، أصبحت الأمراض النادرة شائعة.
ليس لأن الطفرة انتشرت، بل لأننا كررنا نفس القرار دون مراجعة تأثيره.
نحن لا ننقل أسماء عائلاتنا لأطفالنا فحسب، بل ننقل أيضًا إمكاناتهم الصحية.
نحن لا نمنحهم المأوى واللقب فحسب، بل نمنحهم أيضًا خريطة وراثية يمكن أن تؤدي إلى تأخير الألم.
واليوم، في عصر الطب الجيني والتحليل الدقيق، لا نعذر الجهل ولا نبرر التساهل.
الوعي مسؤولية هنا.
يبدأ الإصلاح من اللحظة التي نعيد فيها التفكير في المألوف.
دعوة للتأمل: هل خياراتنا في الزواج مبنية على أسس صحية وعلمية أم على راحة اجتماعية مؤقتة؟
فهل من الحكمة تكرار النمط الذي أدى إلى انتشار الأمراض الوراثية لمجرد أننا اعتدنا عليها؟
فهل صمتنا عن الموضوع مساهمة غير مباشرة في تكرار المعاناة؟
وفي نهاية المطاف، ليس علينا أن نقطع الروابط الأسرية.. بل يجب أن نوسع أفق القرارات ونفكر خارج دائرة الأسرة، نحو نوعية حياة الأجيال القادمة.
محرر الموضوع
د. محمد المحروس
استشاري وباحث في علم الأحياء السريري والهندسة الجزيئية والتحليل النقدي، مهتم بتبسيط المعرفة القائمة على الأدلة وتقديم محتوى طبي وفكري موثوق بلغة واضحة وعميقة. تجدر الإشارة إلى أن هذه المادة يتم نشرها من أجل المصلحة العامة، مع احتفاظ صاحبها بحقوق التأليف والبحث والمراجعة.

