كلما ظن الإنسان أنه قد وصل إلى اليقين، يعود السؤال ليوقظه من نومه:
هل ما نعرفه هو الحقيقة… أم الصورة التي يمثلها في أذهاننا؟
منذ أن نظر نيوتن إلى السماء ونظر أينشتاين إلى الزمن، كان العقل البشري يتجول بين التجربة والتأمل، بين المعادلة والمعنى.
ومن هذا الحوار الأبدي ولدت فلسفة العلم.
—-—
كان العلم والفلسفة مرتبطين ارتباطًا وثيقًا. إنهم يتأملون الوجود ويتساءلون عن المعنى ويفسرون الظواهر. في بداية القرن الثامن عشر، تم فصل العلم عمليا عن الفلسفة: الملاحظة الدقيقة، والتجربة الخاضعة للرقابة، والنتائج المعممة. وفي الخلفية يقف جاليليو الذي علم العين أن تقيس ما تراه، ويأتي نيوتن ليفرض يد الخبرة والقانون. وبدا أن العقل يقوم بعمل جيد في الفصل بين التأمل والعمل، فظهر الانقسام: أداة بلا غرض تعزز القياس وتهدر السؤال، وسؤال بلا أداة يتجاوز المعنى ولا يستحوذ على العالم. واتضح أن الانفصال لم يكن كاملا، وظهر معنى: فلسفة العلم – تأمل في كينونة العلم، في منطقه وحدوده وشروطه، في كيف نعرف ولماذا نعرف، وفي ماذا يعني ادعاء المعرفة.
ومع تبلور الصورة الحديثة “للعالِم”، عزز فرانسيس بيكون إيمانه بالمنهج التجريبي ووعود الاستقراء: الملاحظة، والفرضية، والتحقق، والتعميم. على عكس الخصم الذي يبدأ من المقدمات إلى النتائج. وقد بحث جون ستيوارت ميل بعمق في صياغة قواعد الاستقراء، بينما حذر ويليام هيويل من أن فهم العلم يتطلب معرفة مفاهيمه ونماذجه. ومع ذلك، تكررت نفخة طفيفة: الملاحظة ليست محايدة؛ النظرية تسبق الرؤية وتوجهها.
ثم ظهر القرن العشرين مثل وميض البرق الذي وسع الأفق وضيق حدود اليقين: فقد حرر أينشتاين الزمان والمكان بفضل النسبية، وفتح بور وهايزنبرج ورفاقهما الباب أمام ميكانيكا الكم، حيث تتنافس الاحتمالية مع الحتمية والقياس جزء من التاريخ. هنا يتحدث صوت كارل بوبر: قوة النظرية لا تكمن في وفرة ما تبرره، بل في قابليتها للدحض/مبدأ التفنيد – بجعة سوداء واحدة تكفي لإعادة كتابة ما اعتقدنا أنه مؤكد: أن كل البجع أبيض. عند هذه العتبة، أصبح الخطأ هو الطريق إلى الحقيقة، وليس خصمها.
ولذلك أصبحت فلسفة العلم بمثابة تمرين للعقل على الاهتمام بما تقوله الأدلة وما تخفيه النماذج. سيذكرنا توماس كوهن لاحقًا بأن العلم لا يتقدم فقط من خلال التراكم، ولكنه يقفز عندما تتغير النماذج التوجيهية وتتغير الأسئلة نفسها، وهو ما استخدمه في كتابه “بنية الثورات العلمية”. وهكذا لم تعد الفلسفة ظل المختبر، بل هي نور يكشف معالمه الخفية. وهذا يذكرنا بأن كل نتيجة هي بداية لسؤال جديد.
في فجر القرن الحادي والعشرين، أصبحت الرياضيات التطبيقية والبيانات الضخمة والخوارزميات الذكية جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. ويظهر السؤال القديم في شكل جديد: إذا بدأت الآلات بالتنبؤ، فهل ما زال البشر هم الذين يفكرون؟ إذا أصبح الحساب أسرع من الحدس، فأين تقف البصيرة؟ وهنا تعود الفلسفة لتهمس بما تعلمناه -من جاليليو إلى أينشتاين وبوبر: أن المعرفة التي لا تشكك في أغراضها يمكن أن تضل، وأن الدقة دون معنى ليست سوى طريقة جديدة للضياع. العلم الذي لا يعكس يعيد نفسه، والفلسفة التي لا تمس الواقع تبقى ظلاً لا يترك أثراً.
وهكذا تظل فلسفة العلم بمثابة جسر غير مرئي بين العالم والعقل، بين التجربة والخيال، بين “كيف” و”لماذا”. ليذكرنا أن الحقيقة ليست حجرا نضعه في مثواه الأخير، بل هي طريق مفتوح للتساؤل والدهشة. إنها اليد التي تربّت على كتف العالم عندما يكون منغمساً في معادلاته، وتهمس بما قاله الحكماء صراحة أو ضمناً: وراء كل رقم نية، ووراء كل تجربة رؤية، ووراء كل اكتشاف شخص يسعى إلى معرفة حقيقته.
محرر الموضوع
د. محمد المحروس
استشاري وباحث في علم الأحياء السريري والهندسة الجزيئية والتحليل النقدي، مهتم بتبسيط المعرفة القائمة على الأدلة وتقديم محتوى طبي وفكري موثوق بلغة واضحة وعميقة. تجدر الإشارة إلى أن هذه المادة يتم نشرها من أجل المصلحة العامة، مع احتفاظ صاحبها بحقوق التأليف والبحث والمراجعة.

