هل الدجاج الذي نأكله “مليء بالهرمونات”؟ قراءة علمية هادئة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أحد المعتقدات الأكثر شيوعًا في عالم الغذاء اليوم هو أن الدجاج “مليء بالهرمونات” وأن نموه السريع لا يمكن تفسيره إلا من خلال تدخلات غير طبيعية. تبدو هذه الفكرة منطقية للوهلة الأولى، خاصة عند مقارنة دجاج اليوم بما كان عليه في الماضي، لكن عند النظر إليها علمياً لا يوجد أساس واضح لها.

إن استخدام الهرمونات في تربية الدواجن محظور قانوناً في معظم دول العالم، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وذلك في ظل أنظمة رقابية صارمة تشرف عليها هيئات رقابية متخصصة. لكن الأهم من العلم هو أن الهرمونات، حتى عند استخدامها نظريًا، ليست وسيلة فعالة لتسريع نمو الدجاج. هرمونات النمو هي بروتينات بطبيعتها، وهي تتحلل في الجهاز الهضمي في نفس الوقت الذي تتحلل فيه البروتينات الغذائية، مما يمنعها من الوصول بشكل فعال إلى مجرى الدم. كما تتطلب إدارته حقنة فردية لكل طائر، وهو أمر غير عملي في قطعان تضم آلاف أو مئات الآلاف من الطيور، بالإضافة إلى تكلفته العالية بالنسبة للمحصول، مما يجعل استخدامه غير منتج من الناحية الإنتاجية.

يمكن تفسير النمو السريع الذي نشهده في الدجاج الحديث بالكامل بالتقدم العلمي في ثلاثة مجالات رئيسية. أول هذه العوامل هو التحسين الوراثي، لأنه على مر العقود تم اختيار سلالات تتميز بالنمو السريع والكفاءة في تحويل الغذاء إلى لحوم، وهي عملية تعتمد على الانتقاء العلمي المدروس وليس على التدخل الهرموني. أما العامل الثاني فهو النظام الغذائي المتوازن، حيث أن أعلاف الدواجن مصممة وفقاً للاحتياجات الدقيقة لكل عمر وتتضمن مكونات مثل الذرة والصويا كمصادر للطاقة والبروتين، بالإضافة إلى الفيتامينات والمعادن والعناصر الدقيقة التي تدعم النمو والمناعة. أما العامل الثالث فهو الإدارة البيئية، حيث يتم التحكم في درجات الحرارة والإضاءة والتهوية داخل المزارع بطريقة تقلل من الإجهاد وتحسن كفاءة النمو.

يستخدم مصطلح “الأغذية المعززة” أحيانًا بطريقة تشير إلى وجود مواد خطرة، في حين أنها في الواقع أغذية تم إعدادها وفقًا لمعايير علمية محددة لتحسين هضم الأطعمة والاستفادة منها. وقد تشمل إضافات مثل الإنزيمات أو البروبيوتيك أو الأحماض العضوية، وهي مواد تستخدم على نطاق واسع في الإنتاج الحيواني لدعم صحة الأمعاء وتقليل الحاجة إلى الأدوية، ولكنها لا تعتبر مواد ضارة كما هو شائع.

أما بالنسبة للمضادات الحيوية، فهي تمثل الجانب الأكثر حساسية في تربية الدواجن، وقد شهد استخدامها تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. وفي السابق، كان استخدامها أكثر انتشارا، خاصة للأغراض الوقائية أو لتحسين النمو، لكن اليوم تتجه الحركة العالمية نحو خفض كبير في استخدامها، مع وجود لوائح صارمة في هذا المجال. ومن أهم هذه الإجراءات ما يسمى بفترة سحب الدواء، وهي الفترة التي يتم خلالها إيقاف الدواء قبل الذبح للتأكد من عدم وجود بقايا في اللحوم. كما تضع الجهات التنظيمية الحدود القصوى لمخلفات الأدوية (Maximum Residue Limits – MRLs)، وتتم مراجعة المنتجات ضمن برامج تنظيمية للتأكد من الالتزام بهذه الحدود، بالإضافة إلى التوسع في استخدام البدائل مثل اللقاحات وتحسين برامج التربية والتغذية.

ولذلك، فإن استهلاك الدجاج بموجب الأنظمة التنظيمية المعتمدة لا يعتبر مصدرا للمخاطر الصيدلانية على البشر.

ورغم أن الإنتاج المنظم يخضع لرقابة صارمة، إلا أن سلامة الغذاء لا تعتمد فقط على مرحلة الإنتاج، بل تمتد إلى مراحل النقل والتخزين والتحضير. قد ترتبط بعض المخاطر بسوء التخزين أو عدم الامتثال لسلسلة التبريد أو عدم كفاية الطهي مما قد يسمح للبكتيريا مثل السالمونيلا بالبقاء على قيد الحياة. وبالتالي، يظل اختيار مصدر موثوق والتخزين المناسب والطهي الجيد من العوامل الأساسية لضمان الاستهلاك الآمن.

إلا أن بعض الممارسات غير النظامية في بعض الأسواق المحدودة تظل مدعاة للقلق، الأمر الذي يتطلب استمرار المراقبة والتوعية.

فيما يتعلق بالدجاج “العضوي”، يتم تربيته وفقًا لمعايير مختلفة، بما في ذلك نوع العلف وظروف التربية وتقليل استخدام المضادات الحيوية، لكنه لا يختلف عن الدجاج التقليدي من حيث الهرمونات، حيث أنها ببساطة لا تستخدم في أي من النظامين. وبالتالي فإن الفرق بينهما يتعلق بطريقة الإنتاج وليس بوجود أو عدم وجود مواد هرمونية.

عندما يتم جمع هذه البيانات معًا، يصبح من الواضح أن فكرة احتواء الدجاج على هرمونات هي فكرة شائعة أكثر من كونها حقيقة علمية. يمكن تفسير النمو السريع للدواجن بالكامل بالتقدم في العلوم الزراعية، كما أن أنظمة التحكم الحديثة تقلل إلى حد كبير من المخاطر المرتبطة بالإنتاج. ومن ناحية أخرى، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في التمييز بين القلق القائم على أسس علمية والمخاوف الناتجة عن تكرار معلومات غير دقيقة.

في النهاية المشكلة ليست في الدجاجة عندما يكون مصدرها موثوقا، بل في المعلومات التي تصلنا عنها دون فحصها.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً