“إننا نغرق في بحر من المعلومات، ولكننا نفتقد قطرة من الحكمة.” – إسحاق عظيموف
بهذه الجملة المؤثرة، يلخص أحد أبرز العقول في القرن العشرين مأزقًا حضاريًا غير مسبوق: نحن نعيش وسط طوفان هائل من المعرفة، لكن أرواحنا تتعطش أكثر فأكثر للفهم، ويضعف وعينا في مواجهة هذا التدفق المحموم للبيانات.
لقد بشرت الثورة الرقمية بعصر أصبح فيه كل شيء تقريبًا: فكرة وصورة وصوت، متاحًا في متناول يدك في لحظات. لكننا نبدو أكثر تشتتًا وأقل قدرة على إدراك المعنى، وسط فوضى «الحقائق المبعثرة» و«الآراء المتضاربة». إن المعلومات التي كانت في يوم من الأيام أداة لتحرير العقل، أصبحت عبئا يثقل كاهله ويربك اتجاهه. وفي هذا السياق، أصبحت القدرة على الاختيار والتمييز أكثر قيمة من امتلاك المعلومات نفسها.
وينبهنا الفيلسوف رينيه ديكارت إلى ضرورة التمييز بين المعرفة الواضحة والمتميزة والمعرفة الزائفة، محذرا من وهم الفهم عندما لا يكون مبنيا على فحص عقلي دقيق. في عصرنا هذا، تتضاعف “الحقائق الظاهرة”، لكنها بلا جذور، ودون فحص نقدي، ودون سياق عام.
ولعل هربرت سيمون عبر عن هذه المفارقة ببراعة عندما قال: “عندما تفيض المعلومات ينهار الاهتمام.» ولم تعد المشكلة في ندرة المعرفة، بل تراكمها على نحو يعطل التأمل، ويطمس الإدراك، ويستنزف طاقة التمييز. وهنا يظهر جوهر أزمتنا: وفرة تغرق العقل بدلا من تنويره.
أما مارشال ماكلوهان فيؤكد أن الوسيط الذي ينقل الرسالة ليس محايدا، بل يعيد تشكيل وعينا نفسه. التكنولوجيا لا تسهل الحصول على المعلومات فحسب، بل إنها تعيد تشكيل الطريقة التي نفكر بها. وهذا ما يعبر عنه نيكولاس كار بسؤاله الاستفزازي: «هل جعلنا جوجل أغبياء؟» “، مشددًا على أن المعرفة السريعة والمجزأة يمكن أن تضعف القدرة على التفكير العميق والاستبطان بهدوء.
ومن بعدهم، يربط يورغن هابرماس اضطراب الخطاب المعرفي بتآكل المجال العام. وعندما تتحول “الحقائق” إلى آراء، وتعاد صياغة الحقائق وفقا للأهواء الشخصية أو الخوارزميات، يصبح من المستحيل إنشاء أرضية مشتركة للحوار أو التفاهم الجماعي.
ومع توسع فقاعات التصفية المعرفية وتخصيص الخوارزميات لكل فرد عالمه المعرفي الخاص، يتم تقويض التفكير النقدي وضمور روح التساؤل. إننا نعيش الآن في غرف صدى مغلقة، حيث لا يسمع الجميع إلا ما يعزز معتقداتهم ويستبعدون ما يقلقهم أو يزعجهم.
وعلى بعد أكثر قتامة، تحذر شوشانا زوبوف في كتابها “عصر رأسمالية المراقبة” من أنه لا يمكن استخدام المعلومات لتمكين الناس، بل لتوجيههم دون وعي. ولا يتم جمع البيانات لإثراء الفهم، بل لإعادة التفكير في السلوك البشري وفقا لمصالح السوق وقوته. وهنا تتحول المعرفة من وسيلة للتحرر إلى أداة للهيمنة.
في هذا المشهد المحير، يعيدنا سقراط إلى قلب الموضوع بمقولته الخالدة: “الحياة الطائشة لا تستحق العيش”. وفي عصر الاندفاع والضجيج الرقمي، يصبح التأمل شكلاً من أشكال المقاومة، وتصبح العودة إلى الذات حاجة وجودية وليس ترفاً فكرياً.
نحن لسنا بحاجة إلى مزيد من المعلومات بقدر حاجتنا إلى البصيرة الممزوجة بالحكمة. لا يكفي أن نعرف، ولكن يجب أن نسأل أنفسنا: ما الذي نحتاج إلى معرفته؟ ولماذا؟ كيف نستخدمها؟ المعرفة التي لا يتم تنقيحها من خلال التفكير أو السياق يمكن أن تصبح ضجيجًا يحجب المعنى بدلاً من الكشف عنه.
ربما تتعلق الشجاعة الفكرية اليوم برفض الانغماس في كل معلومة ومعرفة كيفية طرح الأسئلة قبل ابتلاع الإجابات. مارس فضيلة الصمت عندما يكون الكلام مرتفعا، والبطء عندما يكون التسرع خطيئة.
محرر الموضوع
د. محمد المحروس
استشاري وباحث في علم الأحياء السريري والهندسة الجزيئية والتحليل النقدي، مهتم بتبسيط المعرفة القائمة على الأدلة وتقديم محتوى طبي وفكري موثوق بلغة واضحة وعميقة. تجدر الإشارة إلى أن هذه المادة يتم نشرها من أجل المصلحة العامة، مع احتفاظ صاحبها بحقوق التأليف والبحث والمراجعة.
